راء و ميم

راء و ميم في سين و جيم عن النصارى و المسلمين

Thursday, December 16, 2004

وفاء والمظاهرات والدائرة المفرغة

عزيزي ميم،
سألتني منذ طَفَت الأحداث على السطح، عن رأيي في موضوع مظاهرات الأقباط بشأن السيّدة وفاء قسطنطين.

جيم

وفاء قسطنطين!!
لو كانت كلّ أحداث الأسبوعين الماضيين روايةً، لتعجّبتُ من براعة مُؤَلِّفها في اختار الأسماء الرمزيّة. وفاء في قصّة عن ترك سيّدة لبيتها وزوجها مريض السُكَّر مبتور الساقين... وقسطنطين في قصّة عن سيّدة يتردّد أنّها تزمع التحوّل من الديانة المسيحيّة إلى الديانة الإسلاميّة، أو أنّها قد أشهرت إسلامها بالفعل (حسب روايات أخرى). المهم في الأمر هو قسطنطين: اسم أوّل إمبراطور رومانيّ يعترف رسميّاً بالديانة المسيحيّة -إثر إيمان والدته بها بعد معجزة حسب التقليد المسيحيّ-، ممّا جعله عصره علامة فارِقة أنهت مؤقَّتاً اضطهاد المسيحيّين على أيدي الرومان، وأنهت -بحسب بعض المسيحيّين الفقريّين-ثوريّة المسيحيّة وشبابها إذ صارت ديناً رسميّاً ما لبث أن صار ديانة للدولة الرومانيّة وما بعدها. تتجلّى الرمزيّة أكثر في الاسم الثاني لزوجها: عوض! عوضه على الله...

قلبي
قلبي مع هذه السيّدة ومع زوِجِها، وبالأكثر مع ابنها وبنتها. ففي مجتمع مصريّ، وبالذات في جزء شبه ريفيّ منه (أبو المطامير)، يكاد يكون من المستحيل أن يختفي خبر هجر سيّدة لمنزلها. فكم بالحريّ إن كان الزوج المهجور قسّاً، له عزوة وربّما معجبين ومريدين وأناساً يعتبرونه قدوة؟ وما أدراك ما وضع الابن والإبنة في مجتمع يقيّم الابنة بأخطاء والدتها (لأن القدرة حين تنقلب علي فمّها، فحتماً ستصير البنت مثل أمِّها) ويقيّم الأبناء بتربية آبائهم. وزِد على ذلك ما ورد عن أهل أبو المطامير من أنّ بهم نسبة من أهل الصعيد (هم غالباً من قادوا الغُضبة والمظاهرات)، وفي الصعيد أكثر من سبب للـ"تار" والعار: الأرض والعرض والشرف والقسم والشنب وحتّى بطّة الجيران.
يعني الأزمة كبيرة لأبطالها الذين صارت أخبارهم بين عشيّة وضحاها في الصحف، وصارت أسماؤهم موضوع مظاهرات أشخاص غالباً لا يعرفون القصّة أصلاً.
هذا هو أكثر ما يقلقني. ماذا فعلت المظاهرات بأبطال القصّة، وما مصيرهم بعد ذلك.

عقلي
أمّا عن سؤالك الأساسيّ: ما رأي المسيحيّين ولماذا غضبوا هكذا وهل الموضوع شديد الحساسيّة، فهذا لا شكّ أكثر من سؤال سيتمّ تناوله في مداخلاتِ كثيرة قادمة. يكفي أن أقول:
١) من البداية كان من الواضح أنّ "الحكاية مش الستّ وفاء، الحكاية في اللي وراء وفاء". ما الذي يدفع كلّ هذه الأعداد للتحرّك من المنيا وأسيوط والبحيرة إلى مقرّ الرئاسة الكنسيّة: كاتدرائيّة الأنبا رويس بالعبّاسيّة؟ هذا سؤال مفتوح.

٢) من البداية كان واضحاً لي على الأقلّ أنّ السيّدة لم تُختطَف (مع أنّ الاختطاف يحدُث)، ولم تُجبر على اعتناق الإسلام، لكن كان من الواضح أيضاً أنّه لا دليل على أنّها أشهرت الإسلام بالفعل. القصّة كلّها كانت مُحاطة بسحابة الغموض المُعتادة في جهاز "الإعلام" المصري. (ألا يعني الإعلام الإخبار؟؟ أم هو الإعتام؟) كان من الواضح أنّ اتّهامات متبادلة ستُثار بين أبناء الديانتين، وجميعها سيُبنى على انعدام الثقة المتبادلة.

٣) هل يعتبر المسيحيّون المسألة حسّاسّة؟ هل "ماتوا بغيظهم"؟ لا شكّ أنّ في مجتمع كمجتمعنا، يغيظ فيه الأهلاويّة مشجّعي الزمالك ويثيرون غضبهم لأتفه الأسباب، سوف تجد الكثير من الطرفين ينظرون للدنيا كمعركة أو مباراة يفوز فيها من يجمع مريدين أكثر. قديماً زجر السيّد المسيح الصفوة الدينيّة في أيّامه لأنّهم كانوا "يطوفون البر والبحر لاكتساب دخيل (أي متهوّد) ثم يجعلون منه ابناً لجهنّم أكثر منهم!" (متى٢٣: ١٥) يعني الكثير من الناس لا يعرفون الكثير في الدين وتجدهم حريصين على اجتذاب أتباع لدينهم، وبعض الدعاة والمبشرين قد ينفقون الوقت والجهد والمال لكسب عضو جديد لدينهم، بينما الكثيرون (وربّما أقرب الناس إليهم) لا يدرون من دينهم شيئاً. لكن هذه سنّة الحياة، وعلينا تقبّلها. أذكر جيّداً صديقاً كان مكفهرّ الوجه يوم أسلمت زميلة في كليّته لتتزوّج من محبوبها وتتخلّص من جحيم زوج أمّها (الذي طالما اشتكته دون جدوى). كان الصديق مكفهرّاً ويقول "لقد صارت رءوسنا اليوم في الأرض". يا هذا! أنت حزين على الفتاة أم حزين على كرامتك ومنظرك ولأنّ بعض المسلمين من زملائك غاظوك (جدّياً أو مداعبةً). شيء يغيظني أنا. منتهى الأنانيّة وضيق الأفق. أمّا عن زميلاتها المسلمات اللاتي احتفين بها، فقد كنّ هنّ أنفسهنّ بالأمس يعيّرنها ويتغامزن عليها لعلاقتها بذلك الفتى. عجبي يا دنيا!!

٤) من الغريب والمؤلٍم أحياناً -وهذا سيأتي أيضاً لاحِقاً- أنّ لسان حال معظم المسلمين المعتدلين كان يقول: "هم عايزين إيه تاني؟" (والله أعلم بما ناله الأقباط أوّلاني :))، أمّا بعض الأكثر تشدّداً فكانوا
يقولون سرّاً وجهراً "هم عايزين إيه أصلاً؟ مش يحمدوا الله أنّهم مازالوا موجودين؟" الحمد لله !

ختاماً
أرأيت يا ميم... يبدو أنّني لا يُمكِن في هذا الموضوع الشائك أن أجيب على سؤالك المركّب. فقصّة وفاء مجرّد قصّة على وشك الانتهاء (بين أخبار قبطيّة تقول إنّها تلت "قانون الإيمان" المسيحيّ (الذي يبدأ بـ نؤمن بإلهٍ واحد، وينتهي بـ ننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي) مؤكّدةً مسيحيّتها وطلبت مقابلة البابا شنودة؛ وبين أخبار أخرى تقول إنّها أسلمت بالفعل وسوف تُعلِن هذا على الملأ وتطالب بتطليق زوجها).
هذا عن قصّة وفاء، قشّة جديدة تقسم ظهر البعير، أمّا عن البعير، أي المسألة القبطيّة، فهي يبدو أنّها نابعة من تراكُم أمور كثيرة لم تُحَلّ أبداً في الذاكرة الجمعيّة لأعضاء الكنيسة القبطيّة، امتزجت التراكُمات بحلقة مفرغة من التهميش والانكفاء على الذات، وهذه الحلقة المفرغة تجعل -للأسف-كلّ قبطيّ مشغولاً جدّاً بكلّ ما هو قبطيّ، متناسياً ألوان الظلم الأخرى التي تنال المجتمع كلّه. وحين يقع أيّ شخص أو جماعة في دائرة الشعور بالاضطهاد فالرثاء للنفس ففقدان الثقة بالحاكم والجار فمزيد من الشعور بالاضطهاد، ينتهي الأمر بكبتٍ وقمعٍ شديدين، فانفجار عند الوصول للكُتلة الحرجة من الكبت!
مع ذلك. فلا يُمكِن اتّهام المظاهرات بأنّها فتنة من قلّة منحرفة، أو أنّها غوغائيّة هدفها فرض الواقع بالقوّة. أنا أنظر إليها أنّها حيلة يائسة غذّتها بعض العناصر التي لا ترى في مشكلات الدنيا إلاّ مشكلة الأقباط، وانتهت بتهدئة سياسيّة من طراز الأسبرين المسكّن، وليس إلى حلٍّ جراحيّ فعّال.

لا أعتقد أنّك ستتحمّل منّي إطالة أكثر من ذلك. إنتهى الجيم، وجاء وقت السين.

سين

سؤالي طويل ولكّنه بسيط جدّاً، وهو بشأن الحكاية من البداية:
كيف ينظر المسلمون المصريّون إلى دخول الجيوش العربيّة إلى مصر في القرن الأوّل الهجريّ؟ هل يرونه غزواً أم فتحاً وتحريراً؟ ولماذا؟ وبالتالي.. هل يعتبر المسلم المصريّ أجداده هم المصريّون القدماء (المدعوّون أحياناً الفراعنة والمنسوبون للجنس الحاميّ) أم عرب شبه الجزيرة (المنسوبون للجنس الساميّ والفرع الإسماعيليّ نسبة إلى إسماعيل ابن أبراهيم أبي الأنبياء)؟ وأنت.. ما رأيك؟
تنويه: ما بين الأقواس أضفته للتوضيح إثر مراجعة ممتازة للأخ صاحب الأشجار (انظر التعليق الأوّل بالأسفل)
ـ

4 Comments:

ما بدأته كتعليق سريع قبل أن يجيب محمد تحول إلى ما نشرته في الحوليات

12/16/2004 1:18 PM  

Blogger Mohammed said...

أتذكر عندما قلت لك يا راء ان " المسلمين سيغضبون الآن"
، لأنه على ما يبدو حقق فريق المسيحيين هدفا ، بعد ان كان المسيحيون هم الغاضبين و المسلمون سجلوا الهدف ، و الحكومة الديكتاتورية مطالبة بارضاء العديد من الجبهات و تتمنى لو أن كل هذه الضجة لم تحدث....
وضعت لي رابطا لمنظمة اقباط المهجر
و انا أضع لك رابطا لمفكرة الاسلام:
http://www.islammemo.cc/taqrer/one_news.asp?IDnews=287

http://islammemo.cc/news/one_news.asp?IDnews=52369

http://www.islammemo.cc/taqrer/one_news.asp?IDnews=288

ولا حول و لا قوة الا بالله....

12/19/2004 12:08 PM  

Blogger R said...

ميم.. شكراً على الروابط التي أدرجتها.
إنّها ليست مثيرة للقلق بقدر كبير، ولا تمثل آراء متطرفة، بل هي في الأغلب آراء الكثير من المسلمين.
سواء موقع أقباط المهجر أو الموقع الذي أطلعتني عليه مثالان على الخطاب أحادي الجانب (المونولوج) الذي يصدق نفسه ١٠٠٪ ولا يثق بالآخر مطلقاً. النوايا الحسنة شبه معدومة والتوجّس والتشكيك في الآخر هما القاعدة. كلّ جانب يختار أسوأ حالات الجانب الآخر وربّما أكثرها تطرّفاً.
هذا هو الواقع، وأعتقد هذا هو سبب حوارنا.
لن أتحدّث بالطبع عن تفاصيل الأخبار المربوطة حيث إنّ موضوعاتها سترد حتماً في حواراتنا القادمة؛ لكنّ قراءتها مهمّة حيث تؤكّد ما أفكر فيه: أنّ الحوار مهم وحيويّ ومسئوليّة، وأنّ الجهل بالإخر مسئوليّة تقع على عاتق الطرفين.
يعني...
"إذا لم تفهمني أنت فهذا خَطَئي ومسئوليّتي"
ـ

12/19/2004 1:11 PM  

Blogger MG said...

اعزائي راء و ميم،

اولا اهنيكم علي البلوج الجديد و الفكرة الرائعة للحوار المسيحي الاسلامي.

طبعا مشكلة وفاء الاخيرة فجرت حساسيات و ضغائن قديمة ما بين المسيحين و المسلمين في مصر. و لكن السؤال هنا لماذا هذا الحدث بالذات استحوذ علي هذا الاهتمام العالمي؟

من رؤية نظر المسيحين ان هذه هي القشة التي فسمت الظهر اما من رؤية نظر المسلمين في ظل الهاجس الوسواسي بتأمر لاعالم علي الاسلام انه تسلسل طبيعي للاحداث.

كما علق الاخ راء "لا شكّ أنّ في مجتمع كمجتمعنا، يغيظ فيه الأهلاويّة مشجّعي الزمالك ويثيرون غضبهم لأتفه الأسباب، "
فعلا الموضوع تحول الي ماتش كرة، اهلي و زمالك، كل جانب اصبح متحيز بدون اي موضوعية، المسلمين بيقولوا هو ايه يعني هو حرام واحدة تسلم، بينما لا يتقبل احد اذا انقلبت الاية و زوجة احد الشيوخ تنصرت (لكانت الدنيا انقلبت و ولعت) وعدم القبول ليس بسبب الايمان بالشريعة الاسلامية التي تحرم الارتداد عن الدين و انما تعصب بدون مبرر الي فانلة الفريق. وتعصب المسيحين ايضا ليس ناتج عن ايمان ديني و لكن من مبداء "مش مكفي ان البلد معظمها مسلمين واخدين راحتهم كمان هيبصوا لمرات قسيس"

الحل الوحيد لمواجهة تلك المشاكل و الحساسية المتصاعدة هو النظر بصورة موضوعية لمشاكل الجانبين عن طريق منظورة علمانية و ليست دينية حتي لو ضحي بعض المسلمين عن بعض قوانين الشريعة (الي بنشتغلش بنصها اصلا) في ظل الحاجة الي الوحدة الوطنية

12/22/2004 10:52 PM  

Post a Comment

<< Home

eXTReMe Tracker